الشيخ عبد الغني النابلسي

136

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

ولنا على مسألة تبعية العلم للمعلوم كلام آخر في كتابنا « الفتح الرباني » . ( وهم ) ، أي الواقفون على سر القدر ( على قسمين منهم من يعلم ذلك ) ، أي سر القدر علما ( مجملا ) بأن يعلم أن ثمّ أمور ثابتة قبل وجودها كشف اللّه تعالى بعلمه القديم عنها وحكم بها فقضاها وقدرها على منوال ما كشف عنها ، ولكن لا يعلم ذلك العبد ما هي بعينها ولا يعرف تفاصيلها ( ومنهم من يعلمه ) ، أي سر القدر ( مفصلا ) بأن يعلم كل شيء بعينه في حال ثبوته قبل وجوده بتعليم اللّه تعالى ذلك ( والذي يعلمه ) ، أي سر القدر مفصلا على هذا المنوال ( أعلى ) درجة ( وأتم ) معرفة ( من الذي يعلمه مجملا ) وعلم اللّه تعالى ليس علما مجملا بل علما مفصلا ، والذي يعلم مفصلا هو الذي يعلم علم اللّه تعالى ( فإنه يعلم ما ) ، أي الذي ( في علم اللّه ) تعالى ( فيه ) ، أي في نفسه من الأحوال المختلفة الماضية والمستقبلة ( إما بإعلام اللّه ) تعالى ( إياه ) بطريق الوحي الإلهامي والتعليم الرباني والإلقاء في القلب ( بما ) ، أي بالذي ( أعطاه ) ، أي أعطى اللّه تعالى ( عينه ) الثابتة قبل وجودها ( من العلم به ) كله على ما هو عليه في حال ثبوته قبل وجوده . * * * وإمّا أن يكشف له عن عينه الثّابتة وانتقالات الأحوال عليها إلى ما لا يتناهى . وهو أعلى فإنّه يكون في علمه بنفسه بمنزلة علم اللّه به لأنّ الأخذ من معدن واحد هو العين المعلومة . إلّا أنّه من جهة العبد عناية من اللّه سبقت له هي من جملة أحوال عينه الثابتة يعرفها صاحب هذا الكشف إذا أطلعه اللّه على ذلك . فإنّه ليس في وسع المخلوق إذا أطلعه اللّه على أحوال عينه الثّابتة الّتي تقع صورة الوجود عليها أن يطّلع في هذه الحال على اطّلاع الحقّ على هذه الأعيان الثّابتة في حال عدمها لأنّها نسب ذاتيّة لا صورة لها . ( وإما بأن يكشف ) اللّه تعالى ( له ) ، أي لذلك العبد ( عن عينه الثابتة ) قبل وجودها ( و ) عن ( انتقالات ) جميع ( الأحوال عليها إلى ما لا يتناهى ) في الدنيا والآخرة ( وهو ) ، أي هذا الوجه الثاني ( أعلى ) رتبة من الوجه الأوّل ، لأن الأوّل بطريق الإخبار من اللّه تعالى له ، وليس علم اللّه تعالى بالكائنات الثابتة قبل وجودها بهذا الطريق فهو أدنى ، والثاني بطريق الكشف عنها ، وعلم اللّه تعالى بها كذلك